السيد محمد حسين فضل الله

250

من وحي القرآن

يعيشها موسى إزاء ما حدث ، وربّما تحدّث الكثيرون عن مبدأ العصمة في شخصيته كنبيّ ، وعن التساؤل الإيمانيّ في مدى انسجام هذا التصرف الغاضب مع هذا المبدأ ، ولكننا لا نجد تنافيا بينهما إذا أردنا أخذ القضية ببساطة بعيدا عن التعقيد والتكلف ، فموسى بشر يغضب كما يغضب البشر ، ولكن الفرق بينه وبينهم ، أن لغضبه ضوابط ، فلا يتصرف بما لا يرضي اللَّه ، ولا يغضب إلا لما يرضاه اللَّه . وقد غضب على قومه للَّه ، وعلى أخيه هارون للغرض نفسه . لقد اعتبر أخاه مسؤولا عما حدث بسبب تساهله معهم ، وعدم ضغطة عليهم ومنعهم من ذلك ، فقد كان تقديره ، أنه إذا رفع درجة الضغط ، يمكن أن يساهم ذلك في منع ما حدث - مما لم يقم به هارون - فكان موسى منسجما مع نفسه ، ومع دوره وصفته في ما اتخذه من إجراء مع هارون ، ولكن هارون كان له رأي آخر ، فقد وقف ضدّهم ، وواجههم بكل وسائل الضغط التي يملكها ، ولكنهم كانوا لا يهابونه كما يهابون موسى صاحب الشخصية القوية التي واجه بها فرعون بكل طاغوتيته . وكانوا يرون في فرعون القدرة التي لا حدّ لها في ما كان يتميز به من قوّة بدنية وروحية وقيادية . . . أما هارون ، فقد كان - في ما يبدو - في الظلّ مجرد تابع لموسى ، فلم يظهر له دور إلا في المواجهة الأولى مع فرعون . فاستضعفه القوم بالرغم من مركزه كخليفة لموسى ونائب له . قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ ، فلم أفعل ما أحاسب عليه ، لأن الظروف كانت أقوى من قدرتي ، فقاومت حتى لم يعد هناك مجال للمقاومة ، وجابهت حتى كدت أقتل ، فإذا تصرفت معي بهذه الطريقة ، فإن ذلك سوف يكون دافعا لشماتة الأعداء بي ، لأنني قاومتهم وجابهتهم ، وها هم يرونني أمامك واقفا وقفة المذنب دون ذنب ، فلا تفعل بي ذلك ، وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ لأني قمت بما اعتقدت أنه مسئوليتي دون تقصير . وشعر موسى بالحرج ، وسكن غضبه ، فرجع إلى اللَّه يستغفره لنفسه